مدونة المراسل الجديدة : http://almurasel.blogspot.com/ <<< زورونا <<<

 عند النسخ تذكر مدونتي

 

ورقة بيضاء

كتبهامراسل ، في 13 أغسطس 2009 الساعة: 18:00 م

 

  عندما قلبت الصفحات خرجت منها رائحة ندية فواحة .. أحسست بدفء عجيب يتملكني

 وصوت من الداخل يسمعني أنغامها ، آه .. يا له من إحساس أحاطني بجو كله حب وعطف وحنان ..

 لا أستطيع وصفه !!

عند الصفحة الأولى كتبت :

 " لا أريد أن يقرأ أحد كلماتي التي أدفنها بين دفتي هذه المذكرة ، إنها باختصار  تخصني فقط  "

بهذه العبارة زدت في شغفي إلى قراءتها والإطلاع على ما تكتب

 وعن أي الأشياء تحب والمواقف التي تسجلها في غرفتها

 ومعنى أن يكون لها مذكرات فأنها تحمل نفسا جميلا ورائعا لفهمها للحياة .

فقلبت الصفحة وبسرعة ثم توقفت …

ما عساها أن تكتب عني ؟! ، وهل فعلا حجزتُ في دولاب حياتها مكانا ؟

طارت بي ذكرياتي وسحبت نفسي عن كل الوجود

 هل كنت دائما أسعى لأن أكون مختلفا في لقائي مع الناس ؟ حتى أصنع رفا واضحا في حياتهم !!

أم أصبح كسحابة صيف هادئة لا تصرخ ولا تحدث ضجيجا في السماء .. تمر بهدوء ولا تنفع أحدا ..

لم يرجعني إلا ما كنت عليه إلا اعتقادي أن الأمر صعب جدا !!

 أن تصبح علامة فارقة في عيش أي إنسان ، وتحظى بخاطرة يخطها في دفتره ..

ركزت نظري في تلك الأسطر علَ النفس أن تحظى بشيء ..

 إلا أن الحديث كان عن نهاية الحياة هي جملتُها الفريدة   " لا يمكن أن تبقى خالدا "

أشعلت هذه الحروف حرة في عيني وحرقة في قلبي ، الحياة كخطوات رمل لا بُد أن تزول

 لماذا ابتدأت مذكراتها بهذه الجمل المبكية المحزنة ، الذي أعرفه أن الذكريات تكتب عبارات مفرحة مبهجة عند مراجعتها ولف شريط العمر أمام العين لتُسر النفس ..

 أم أنها تريد أن تقول : لماذا نهرب عن حقيقة ؟  ولماذا لا نذكرها في خواطرنا وكتاباتنا ؟

 إنها الحقيقة الواحدة التي لا جدال فيها ، وهي قديمة جديدة ، بل نعيشها واقعا كل فترة وأخرى ..

قلبت الصفحة وكأني أسمع صوت تقلبها كما في الرعب !

 ما يكون بعدها وما سيحدث ؟

 بدأت وبشكل لم أتوقعه تسرد الطفولة بقلم رشيق يملئه حب الحياة وحب الوالدين ولم تنسى حارتها وأطفاله ، وطريقة لعب الفتيات وكيف أن الأولاد وكعادتهم في إزعاجهم ومسح خطوط اللعبة التي على الأرض وينتهي الشجار بتلاسن محموم طفولي لا يلبث حتى ترجع المياه إلى مجاريها ، وأنا أقرأ كأني بها تضحك وهي تقوم بتغير الألوان بين أصفر وأحمر وأزرق …

و تنتقل عبر مراحل عمرها …

وتتوقف عند حادثة سير كادت تنهي حياتها وأدخلت المشفى كيف تكشفت أمام الرجال وهي تصرخ لا تدري أصرخة الألم أم صرخة الحياء ؟! وعند إفاقتها أحست أن الناس من حولها يبثون نفسَ الحياة لها ، وتعترف أن الأقرباء مهم في هذي اللحظات وقربهم لدى المريض يعزز من تشبثه بهذه الدنيا وعدم فراقها …

تذكر الأسفار والمقالب التي  تحدث  وما يصاحب السفر من فكاهة وألفة وقرب ، وبعد الصفحة الأخرى تتكلم عن صديقاتها ، والحميمة معهم ، والشجار الذي يحدث بينهم على أتـفه الأسباب ، والإعجاب المتبادل بين الطالبات ومشاكله وكيف أنها وقعت فيه ثم تداركت نفسها وانتقلت عن المدرسة ..

ثم تعليقها على أحداث يومية تصير في بيتها والمشكلات التي تحدث وتلجأ لمن عندما تحزن أو يعكرها صفوها عارض عائم ، تتحدث بالتفصيل الممل عن إخوانها وأخواتها .. هذا مسيطر.. وهذا عنيد .. وهذا رحوم .. وهذا تحب الحديث معه ..

ثم عن أبيها الحنون المتشدد في أمور ومتسامح في بعضها ..وأفاضت الحديث على عدة صفحات متباعدة عن أمها وحبها لها ، وبين تلك الصفحات  كتبت عن الحب بشكل مبسط و معقد ثم أكثر تعقيدا يبدو أنها تعرفه على مراحل عمرها " وفعلا الحب لا يُعرَف "

 تكلمت عن دراستها وأنها كانت تريد كلية الطب في بداية الثانوية لكن الأمور لم تكن كما تريد . عندما تتكلم بلهجة قوية عن المعلمات وعدم إعطائهن الدرجات المستحقة ، وتكتب وبسرعة بعد تمكنها من الكتابة عن دخولها قسم الإنجليزي رغم عدم الرغبة به ، لكنها تقول " الدراسة والجامعة والسلام " وتعثرت وبشدة في القسم ، ثم تمدح نفسها !! أن لغتها قوية جدا بعد تخرجها وأنها تطالع صحف عالمية ..

خطت في مذكراتها أنها تمل من التسوق لعدم إيجاد ما تريده ، وأمها تلفق الأعذار للأقرباء إذا لم تحضر مناسبة معينة ، لكنها تفضحها عند خالتها بأنها صعبة  الاختيار " وذوقها صعب " …

توقفتُ عند خاطرة طويلة سردتها بشيء من التفصيل عن تأخر زواجها وان أغلب أصدقائها ذهبوا إلى عش الزوجية وعندما نظرت إلى تاريخ دققت في الخاطرة وجدت أنها تأخرت كما تزعم سنتان فقط ، تزوجوا هم في العشرين وهي تزوجت في الثانية والعشرين ، أعراف مجتمع ! يطبع علينا طبعا خالصا أن الزواج هو كل شيء وأن تزوج المرأة ركن من أركان الدين …

تتحدث بعواطفها الظاهرة على كتابتها تقول أخيرا أتى فارس الأحلام ليأخذني إلى عالمي الحقيقي الذي أحس أني ملكة لا يشاركني فيه أحد ، في عش الزوجية ، ثم تتحدث عن يوم الرؤية الشرعية وكيف أنها لم تستطع أن تشاهد ذلك الفارس وتملئ عينها منه - وهو من حقها - وأباها كان على أعصابه وهو يدخل مكنونته إلى المجلس لينظر الهمام إليها وتطيب نفسه منها ، وأنها كادت أن تسكب العصير البارد على سجادة المجلس غير أنها تقول " ستر الله " أحداث تكتبها والزغاريد في قاعة الأفراح يرتج منها جدران الحي ، اليوم هي حورية خرجت في أبهى صورة ، بعد أن تعبت في تفصيل فستان الفرح واختياره بدقة وعناية مع مشاورات من صديقاتها وأخواتها ..

أخذت تسرد الأحلام والطموحات وتخطط كيف ستكون الحياة الزوجية مع زوجها الذي لا تعرفه إلا عبر خط الهاتف أو زيارته البسيطة .. تكتب عنه أنها لا تعرفه بشكل المطلوب وأنها تحاول في كل لقاء بسيط أن تتعمق في شخصيته وأنها تريد أن تنجح ولا خيار لها سواه ، وأن الأعذار ليست مقبولة وليست مقنعة إن فشلت ..

تقاطرت دمعاتي على صفحاتها البيضاء ، وصرت كالطفل الذي فقد أمه في صحراء محرقة ، أغلقته وضممته إلى قلبي وجسمي أطفئ حر حزني وألمي ، وتحسري ..

ندمت أشد الندم أني قرأته وحاولت أن أقتحم خصوصيتها .. أمسكت المذكرات مرة أخرى واستعرضته سريعا مع صفحاته البيضاء التي لن يكتب فيها شيء ..

ليته كان حلما أفيق منه ليتبدد كل شيء وأجدها أمامي ، ليته مزحة ثقيلة أتقبلها بكل رضا ، ليتها أي شيء .. المهم أن لا تكون حقيقة مرة كالعلقم ، ليتني أرجع شريط العمر هذا وأصحح تقصيري وزللي ..

آهـ .. أعظم الحزن أن يؤمل فيك شخص أحلامه ، ويبني طموحه عليك .. ثم تخذله ..

انتهى كل شيء ..

 ويخرج من الدنيا ببساطة شديدة ، ولا تستطيع أن تراه وتعلن له توبتك …     

             

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قلم المراسل | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول

almorasl@hotmail.com





 
asp hit counter
hidden hit counter